محمد عبد الله دراز

185

دستور الأخلاق في القرآن

ومن هذه الوجهة نستطيع أن نقول : إنّ المرحلة المكّية كانت في مجموعها نوعا من الإعداد ، ولكن التّطبيقات المقدرة ، والمحددة لهذه المبادئ العامة قد توزعت بصورة متفاوتة على عشر سنوات . كذلك نستطيع القول بأنّ كلّ أمر جديد كان ينشئ في مجال التّكليف تقدما بالنسبة إلى الحالة السّابقة ، ونقطة انطلاق بالنسبة إلى الحالة اللاحقة . وإنّه ليكفي أن نلاحظ هذه المجموعة من الأوامر ، المنفصل بعضها عن بعض ، بمراحل تتفاوت طولا وقصرا ، لكي نتفق على أنّ فيها منهجا تربويا ، بلغ الذروة في قيمته ، وذلك بغض النّظر عن أسباب النّزول الّتي تفسر ، وتسوغ إقرار كلّ واجب جديد . وحسبنا أن نتخيل ما كان يمكن أن يحدث لو أنّ هذه الكثرة من الواجبات المتصلة بجميع مجالات الحياة - قد فرضت مرة واحدة ، وبصورة شاملة ! ! أمّا وهي قد وزعت على هذا النّحو فإنّ النّفوس جميعا قد تقبلتها بارتياح كامل ، حتّى كأنّها كانت تزداد قوة واستعدادا كلما كانت تمارس واجبا منها . لم يفهم الكفار على عهد النّبي هذه الحكمة التّشريعية السّامية ، ولذلك اعترضوا فقالوا : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً « 1 » ، وترد الآية نفسها على اعتراضهم : كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ « 2 » ، ثمّ نقرأ في آية أخرى تفسيرا ثانيا : لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ « 3 » .

--> ( 1 ) الفرقان : 32 . ( 2 ) الفرقان : 32 . ( 3 ) الإسراء : 106 .